عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
76
معارج التفكر ودقائق التدبر
وهذه الآيات قد تضمّنت بيان سبب ضلال عبّاد الشّمس من أهل سبأ في ذلك الزّمان ، وهذا ينسحب على كلّ من يعبدون شيئا من دون اللّه ، وبيانا لما يجب على كلّ من وضعهم اللّه جلّ جلاله في الحياة الأولى موضع الامتحان من عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وإشارة بالتحذير من عقابه إذ هو يعلم عزّ سلطانه وأحاط علمه بكلّ شيء - ما يخفي عباده وما يعلنون . التدبّر التحليليّ : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ : أي : وزيّن الشّيطان لأهل سبأ أيّام « بلقيس » أعمالهم بدأ من الشّرك بعبادة الشّمس ، وانطلاقا إلى كلّ لوازم الشّرك من أعمال كفريّة ، وأعمال سيّئة فيها فسق وفجور ، وظلم وعدوان ، وبغي وطغيان . التزيين : التّحسين والتجميل ، ويكون بجعل الشيء ملائما لما تستحسنه النفوس ، أو تشتهيه أو تحبه . ويكون بالإغراء بحسن الشيء ، والتحبيب به ، وإثارة النفس للتعلّق به ، بالوساوس والتّسويلات القائمات على الإطماع بالباطل ، وهذا من فعل شياطين الإنس والجن . فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ : أي : فصرفهم ومنعهم الشيطان بما زيّن لهم عن سلوك سبيل اللّه الحقّ المستقيم ، وبانصرافهم عنه تاهوا في السّبل . الصّدّ : يأتي لازما ومتعدّيا ، فاللّازم يأتي بمعنى الإعراض عن الشّيء والانصراف عنه . والمتعدّي يأتي بمعنى الصّرف والمنع ، وهذا المعنى هو الملائم هنا . لفظ « السّبيل » مفردا معرّفا يراد به في القرآن صراط اللّه المستقيم « 1 » . فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ : أي : وبما أنّهم صرفوا وأبعدوا عن السّبيل ،
--> ( 1 ) انظر الملحق الرابع من ملاحق تدبر سورة ( الفاتحة ) .